عناوين

حوادث السياسة لا تقتل…

أخي الصغير الذي لم يكن يهتم يوما بالسياسة، و الذي كثيرا ما كان يسخر من التزامي السياسي و ينصحني مرارا بالتخلي عن نشاطاتي السياسية و تحويل طاقتي إلى أشياء استفيد منها بدل إضاعة وقتي فيما لا يفيد، هاتفني البارحة مساء ليسألني عن مآل الحكومة و هل ستعاد الانتخابات؟ و هل يمكن لبنكيران تشكيل الحكومة؟ أم سيستقيل؟

باغتني اهتمامه المفاجئ بالسياسة و بالتحالف الحكومي، هو الذي عندما سألته في الانتخابات الجماعية الأخيرة على من صوت، أجابني بأنه صوت على الاصالة و المعاصرة لأنه يدعو إلى الحريات الفردية و بأنه يعتقد أن المجتمع برمته يمارس الحريات الفردية كسلوك و لكنه ينافق في المعتقد و لا يريد أن يعترف. و أضاف ضاحكا بأنه شارك مع صديق له في الحملة الانتخابية لأن أباه ترشح. قال لي ضحكنا كثيرا. فصديقي كان يقود سيارة مرسيدس أحدث صيحة و كان يدعو المارة للتصويت على أبيه و هو يقول لهم ” صوتوا على أبي، نعم إنه يسرق و لكنه لص طيب القلب و حنون و أنا أحبه… صوتوا على أبي. فأنا أريده أن ينجح في الانتخابات  ليسرق أكثر حتى يتسنى له أن يشتري لي سيارة أحدث موديل.. أرجوكم، ساعدوني لأغير سيارتي…”. باستغراب و مرح و أنا أتخيل المشهد سألته أن كان جدي فيما يقول و كيف كانت ردود أفعال المارة؟ أجابني مازحا: مثلك، يضحكون. و هناك من يعده بأنه سيساعده و سيصوت على أبيه.

باغتني اهتمامه المفاجئ بما يقع في الحكومة، هو الذي عندما سألته عمن صوت في الانتخابات التشريعية الأخيرة، أجابني بأنه لا يفقه شيئا في الأحزاب و السياسة. و بأنه صوت على حزب الاستقلال لأن أخته تنتمي إليه و هو يثق فيها و لا يعتقد بأنها ستدعم حزبا غير جدي.

باغتني اهتمامه المفاجئ بالسياسة، هو الذي ينتمي إلى جيل منتصف التسعينات. هذا الجيل الذي كان يبدو لي يهتم بالحياة أكثر من اهتمامه بالسياسة و الأحزاب. و يفضل التجمهر و الرقص على إيقاع موازين بدل  التجمهر في مقرات الاحزاب و التهليل و التصفيق على الخطب البراقة و الشعارات المزلزلة . هذا الجيل الماهر في التعايش مع مختلف الأطياف، المتفتح على كل الحضارات و الذي يتجنب كل أنواع التصنيفات أو تبني  أي نوع من الأحكام الجاهزة.

باغتني اهتمامه المفاجئ بالسياسة هو الذي ينتمي إلى جيل العازفين و جيل المقاطعين و جيل ” مامسوقينش مامصوتينش” . و تساءلت فيما إذا كانت الأعطاب و الحوادث  السياسية الأخيرة فتحت شهيتهم لممارسة السياسة أو على الأقل محاولة فهمها؟

فأمام ما يقع من أحداث سياسية يومية، قد نتفق مع بنكيران و قد لا نتفق، و قد نتفق مع شباط و قد لا نتفق، و قد نتفق مع إلياس و قد لا نتفق. و لكننا سنتفق بالإجماع بأن هذا الثلاثي أخرج السياسة بالمغرب من حالة الجمود و الرتابة و الملل، و أضفى عليها تشويقا و إبداعا و أبعدها من مسلسل السيناريوهات الجاهزة و جعلها لعبة شيقة مفتوحة على كل التوقعات و لها الكثير من المتتبعين.

ففي بلد كالمغرب، راكمت أحزابه تجارب نضالية لعقود طويلة، مهما بدت الأحداث السياسية متأزمة و الأوضاع ستنفجر، فإنها ستنفرج ستنفرج… ففي المغرب، حوادث السير تقتل أما حوادث السياسة فلا تقتل. بل على العكس، لأنها تعطي للنظام و للمجتمع مناعة و حنكة تساعدانه لمواجهة ما يخبئه المستقبل.

أمل مسعود

(0)(0)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعزية في وفاة والدة الاستاذة خديجة الرباح رحمه الله.

على اثر وفاة المشمولة برحمة الله والدة الاستاذة خديجة الرباح يتقدم الامين العام  للنقابة المغربيةللصحافة والاعلام  ...