حوادث السياسة لا تقتل…

0
0
17

أخي الصغير الذي لم يكن يهتم يوما بالسياسة، و الذي كثيرا ما كان يسخر من التزامي السياسي و ينصحني مرارا بالتخلي عن نشاطاتي السياسية و تحويل طاقتي إلى أشياء استفيد منها بدل إضاعة وقتي فيما لا يفيد، هاتفني البارحة مساء ليسألني عن مآل الحكومة و هل ستعاد الانتخابات؟ و هل يمكن لبنكيران تشكيل الحكومة؟ أم سيستقيل؟

باغتني اهتمامه المفاجئ بالسياسة و بالتحالف الحكومي، هو الذي عندما سألته في الانتخابات الجماعية الأخيرة على من صوت، أجابني بأنه صوت على الاصالة و المعاصرة لأنه يدعو إلى الحريات الفردية و بأنه يعتقد أن المجتمع برمته يمارس الحريات الفردية كسلوك و لكنه ينافق في المعتقد و لا يريد أن يعترف. و أضاف ضاحكا بأنه شارك مع صديق له في الحملة الانتخابية لأن أباه ترشح. قال لي ضحكنا كثيرا. فصديقي كان يقود سيارة مرسيدس أحدث صيحة و كان يدعو المارة للتصويت على أبيه و هو يقول لهم ” صوتوا على أبي، نعم إنه يسرق و لكنه لص طيب القلب و حنون و أنا أحبه… صوتوا على أبي. فأنا أريده أن ينجح في الانتخابات  ليسرق أكثر حتى يتسنى له أن يشتري لي سيارة أحدث موديل.. أرجوكم، ساعدوني لأغير سيارتي…”. باستغراب و مرح و أنا أتخيل المشهد سألته أن كان جدي فيما يقول و كيف كانت ردود أفعال المارة؟ أجابني مازحا: مثلك، يضحكون. و هناك من يعده بأنه سيساعده و سيصوت على أبيه.

باغتني اهتمامه المفاجئ بما يقع في الحكومة، هو الذي عندما سألته عمن صوت في الانتخابات التشريعية الأخيرة، أجابني بأنه لا يفقه شيئا في الأحزاب و السياسة. و بأنه صوت على حزب الاستقلال لأن أخته تنتمي إليه و هو يثق فيها و لا يعتقد بأنها ستدعم حزبا غير جدي.

باغتني اهتمامه المفاجئ بالسياسة، هو الذي ينتمي إلى جيل منتصف التسعينات. هذا الجيل الذي كان يبدو لي يهتم بالحياة أكثر من اهتمامه بالسياسة و الأحزاب. و يفضل التجمهر و الرقص على إيقاع موازين بدل  التجمهر في مقرات الاحزاب و التهليل و التصفيق على الخطب البراقة و الشعارات المزلزلة . هذا الجيل الماهر في التعايش مع مختلف الأطياف، المتفتح على كل الحضارات و الذي يتجنب كل أنواع التصنيفات أو تبني  أي نوع من الأحكام الجاهزة.

باغتني اهتمامه المفاجئ بالسياسة هو الذي ينتمي إلى جيل العازفين و جيل المقاطعين و جيل ” مامسوقينش مامصوتينش” . و تساءلت فيما إذا كانت الأعطاب و الحوادث  السياسية الأخيرة فتحت شهيتهم لممارسة السياسة أو على الأقل محاولة فهمها؟

فأمام ما يقع من أحداث سياسية يومية، قد نتفق مع بنكيران و قد لا نتفق، و قد نتفق مع شباط و قد لا نتفق، و قد نتفق مع إلياس و قد لا نتفق. و لكننا سنتفق بالإجماع بأن هذا الثلاثي أخرج السياسة بالمغرب من حالة الجمود و الرتابة و الملل، و أضفى عليها تشويقا و إبداعا و أبعدها من مسلسل السيناريوهات الجاهزة و جعلها لعبة شيقة مفتوحة على كل التوقعات و لها الكثير من المتتبعين.

ففي بلد كالمغرب، راكمت أحزابه تجارب نضالية لعقود طويلة، مهما بدت الأحداث السياسية متأزمة و الأوضاع ستنفجر، فإنها ستنفرج ستنفرج… ففي المغرب، حوادث السير تقتل أما حوادث السياسة فلا تقتل. بل على العكس، لأنها تعطي للنظام و للمجتمع مناعة و حنكة تساعدانه لمواجهة ما يخبئه المستقبل.

أمل مسعود

باقي موضوعات آخر الأخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

وارد للتو

لحسن كبيري..التغيرات المناخية من التحديات الرئيسية التي تستأثر باهتمام المجتمع العلمي وعلى الدولة اتخاذ تدابير وإجراءات عاجلة

جواد جعواني صرح لحسن كبيري أستاذ جامعي بكلية العلوم والتقنيات بالرشيدية بأن التغيرات المنا…